محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وغيره أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى أو غير أهل الردة والإِسلام ؟ قيل : نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإِيمان ، ويضلونهم فيكفرون ، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإِيمان ، يعني صدهم إياهم عنه وحرمانهم إياهم خيره ، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل كقول الرجل : أخرجني والدي من ميراثه : إذا ملك ذلك في حياته غيره ، فحرمه منه خطيئة ، ولم يملك ذلك القائل هذا الميراث قط فيخرج منه ، ولكنه لما حرمه ، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه ، قيل : أخرجه منه ، وكقول القائل : أخرجني فلان من كتيبته ، يعني لم يجعلني من أهلها ، ولم يكن فيها قط قبل ذلك . فكذلك قوله : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ يحتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإِيمان إلى الكفر على هذا المعنى ، وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية . فإن قال لنا قائل : وكيف قال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ فجمع خبر الطاغوت بقوله يخرجونهم ، والطاغوت واحد ؟ قيل : إن الطاغوت اسم لجماع وواحد وقد يجمع طواغيت ، وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد كان نظير قولهم : رجل عدل وقوم عدل ، ورجل فطر وقوم فطر ، وما أشبه ذلك من الأَسماء التي تأتي موحدة في اللفظ واحدها وجمعها ، وكما قال العباس بن مرداس : فقلنا أسلموا إنا أخوكم * فقد برئت من الإِحن الصدور القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . يعني تعالى ذكره بذلك : هؤلاء الذين كفروا أصحاب النار ، أهل النار الذين يخلدون فيها ، يعني في نار جهنم دون غيرهم من أهل الإِيمان إلى غير غاية ولا نهاية أبدا . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يعني تعالى ذكره بقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ألم تر يا محمد بقلبك الذي حاج إبراهيم ؟ يعني الذي خاصم إبراهيم ، يعني إبراهيم نبي الله صلى الله عليه وسلم في ربه ، أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يعني بذلك : حاجه فخاصمه في ربه ، لأَن الله آتاه الملك . وهذا تعجيب من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، من الذي حاج إبراهيم في ربه ، ولذلك أدلت " إلى " في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ . وكذلك تفعل العرب إذا أرادت التعجيب من رجل في بعض ما أنكرت من فعله ، قالوا : ما ترى إلى هذا ؟ والمعنى : هل رأيت مثل هذا ، أو كهذا ؟ وقيل : إن الذي حاج إبراهيم في ربه جبار كان ببابل يقال له نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، وقيل : إنه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ قال : هو نمرود بن كنعان . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن النضر بن عدي ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ قال : كنا نتحدث أنه ملك يقال له نمرود ، وهو أول ملك تجبر في الأَرض ، وهو صاحب الصرح ببابل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : هو اسمه نمرو ، وهو أول ملك تجبر في الأَرض حاج إبراهيم في ربه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ قال : ذكر لنا أن الذي حاج إبراهيم في ربه كان ملكا يقال له نمرود ، وهو أول